القمح الليلة ليلة عيده يارب تبارك وتزيده، بهذه الكلمات البسيطة والمبهجة التي صاغها الشاعر الغنائي حسين السيد وشدا بها الموسيقار محمد عبد الوهاب في فيلم "لست ملاكاً" عام 1946م، تختصر الذاكرة المصرية قصة حب وعشق أبدي بين الفلاح المصري وأرضه، وتحديداً في موسم حصاد القمح، أو كما يسميه المصريون الذهب الأصفر. منذ فجر التاريخ لم يكن حصاد القمح في مصر مجرد نشاط زراعي اعتيادي أو موسم لجمع المحصول، بل هو عيد قومي تتوارثه الأجيال، وطقس احتفالي يمتد من جذور الفراعنة وحتى يومنا هذا. فالقمح لدى المصريين هو العيش، والتي تعني في العامية المصرية الحياة نفسها، وهو رمز الخير والبركة والأمان الاقتصادي للمنزل الريفي. عندما يحين وقت الحصاد في بدايات الربيع، تتحول حقول مصر إلى خلايا نحل لا تهدأ، يمتزج فيها عرق الفلاحين بأهازيج الغناء الجماعي، وتتعالى الزغاريد مع أول ضربة منجل، في مشهد إنساني بديع يجسد فرحة جني ثمار التعب والصبر طوال الشتاء. إنه الموسم الذي تتزين فيه القرى، وتُقضى فيه الديون، وتُقام فيه الأفراح، ليظل حصاد القمح دائماً هو العيد الذي يجمع القلوب على أرض مصر.
وفي هذا العام، يكتسب هذا العيد القومي زخماً استثنائياً يتجاوز حدود الفرحة التقليدية ليتحول أمامي إلى ملحمة وطنية كبرى لبناء المستقبل؛ حيث أتيحت لي الفرصة لمتابعة فعاليات موسم حصاد القمح لعام 2026 عبر وسائل الإعلام والشاشات، بالتزامن مع افتتاح السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي لـ مشروع الدلتا الجديدة التنموي المتكامل في الضبعة**، الذي يعيد رسم الخريطة الزراعية والديموغرافية لبلادنا كطفرة غير مسبوقة لتعزيز الأمن الغذائي. وقد تضمنت هذه الفعاليات التاريخية عرض فيلم تسجيلي يوثق هذا الإنجاز العملاق، وكم هزني تأكيد السيد الرئيس بأن ما يتحقق على أرض الواقع هو مبعث فرحة عارمة صُنعت بسواعد المصريين المخلصين وبطفرة تمويلية ضختها وزارات الري والكهرباء والزراعة ومستقبل مصر لتأسيس بنية تحتية قوية،.
ويأتي مشروع الدلتا الجديدة في صدارة المشروعات الزراعية العملاقة في المنطقة بأسرها، حيث يستهدف تحويل رمال الصحراء القاحلة في نحو مليونين ونصف المليون فدان إلى لون الحياة الأخضر النابض بالخير، لتأمين الغذاء المستدام للأجيال الحالية والمستقبلية. وقد عاينت بالفعل كيف تم الانتهاء من استزراع مئات الآلاف من الأفدنة برؤية هندسية وبيئية متطورة، تعتمد على استغلال مياه الصرف الزراعي المعالجة ثلاثياً عبر محطات عملاقة تعد الأكبر من نوعها في العالم، لتنتج هذه الأراضي البكر أجود المحاصيل الزراعية، وفي مقدمتها القمح البلدي عالي الجودة. وفي هذا السياق، تابعت باهتمام عندما طالب الرئيس عبد الفتاح السيسي من الدكتور بهاء الغنام، المدير التنفيذي لجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، عرض الملامح الرئيسية لمشروع الدلتا الجديدة ومختلف المشروعات التابعة للجهاز بشكل تفصيلي أمام الرأي العام، حتى يعلم المستثمرون والمواطنون والإعلاميون والصحفيون حقيقة ما يحدث من إنجازات جبارة على أرض الواقع، وحجم الجهد المبذول لتأمين السيادة الغذائية للدولة المصرية.
وهنا أجد لزاماً عليّ الإشادة الموسعة وتقديم أسمى آيات الشكر والتقدير لجهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة ولجميع القائمين عليه، بدءاً من الإدارة القيادية الحكيمة ووصولاً إلى أصغر عامل ومهندس يواصلون الليل بالنهار في قلب الصحراء الشاسعة. لقد أثبت هذا الجهاز الوطني أنه الذراع الضاربة للدولة في تحقيق الأمن الغذائي والتنمية المستدامة، محولاً الخطط النظرية إلى واقع ملموس يتحدى الصعاب الجغرافية والمناخية. وقد أسعدني جداً ما أكده الدكتور بهاء الغنام، المدير التنفيذي للجهاز، من أن منظومة الشراء الموحد استطاعت بكفاءة عالية تدبير أكثر من ثمانية ملايين طن من القمح وثمانمئة ألف طن من الزيوت، مشيراً إلى وجود تعاون وثيق وتنسيق كامل مع وزارتي الزراعة والتموين لضمان استقرار الأسواق وتأمين الاحتياجات الاستراتيجية للمواطنين. وأوضح الغنام أن هناك بنية تحتية ضخمة للغاية يتم العمل عليها وتطويرها باستمرار، تشمل شبكات الطرق والكهرباء والري الحديث وصوامع التخزين المتطورة لتقليل الفاقد من المحاصيل الزراعية والاستراتيجية، وتوفير كافة السبل الممكنة لدعم الاقتصاد الوطني، وتوفير مخزون آمن ومستدام يحمي الأسواق المحلية من التقلبات السعرية العالمية المفاجئة التي أرهقت كاهل الميزانيات الدولية خلال الفترات الماضية وباتت تهدد استقرار المجتمعات والدول بشكل مباشر عبر العالم كله؛ حيث تسهم هذه الآلية الذكية في كسر شوكة الاحتكار العالمي لسلع الغذاء الأساسية، وتمنح صانع القرار الاقتصادي في مصر مرونة وقدرة أوسع على المناورة وإدارة الأزمات التموينية بكفاءة متناهية واستباقية واضحة تفصل بين تلبية احتياجات المواطن اليومية وبين الصراعات الجيوسياسية المحتدمة في خطوط الملاحة والتجارة الدولية الحيوية.
وقد استوقفني أيضاً ما أضافه المدير التنفيذي لجهاز مستقبل مصر بأن هناك دراسات علمية واقتصادية دقيقة تتم حالياً من أجل استغلال كافة أصول الدولة غير المستغلة وتحويلها إلى عناصر منتجة تدعم الاقتصاد القومي، جنباً إلى جنب مع مشروعات التنمية المجتمعية التي يتم العمل عليها وفق أعلى معايير الحوكمة والشفافية بالتعاون مع البنك المركزي المصري. ولفت الدكتور بهاء الغنام انتباهي حين أشار إلى أن هناك تنوعاً كبيراً ومدروساً في محفظة جميع الأصول والاستثمارات التابعة للجهاز، حيث تخضع العمليات لإعادة تقييم مستمرة وقياس دقيق للعائد الاقتصادي والاجعي، مع استهدف استثمارات جديدة ضخمة بالتعاون والشراكة مع القطاع الخاص المصري والأجنبي، مما يعكس الرؤية المتكاملة للجهاز في دمج جهود الدولة مع الاستثمار الحر لتحقيق النهضة الشاملة. وإن هذا التوسع الأفقي والرأسي الهائل في زراعة القمح، والذي يقوده جهاز مستقبل مصر، لا يرتبط فقط بالأبعاد الاقتصادية والسياسية للدولة، بل هو في جوهره معركة حاسمة للحفاظ على الصحة العامة للمواطن المصري وبناء جسده وعقله.
إن اختيار اسم مستقبل مصر لإطلاقه على كيان تنموي عملاق بحجم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، وتخصيصه للزراعة واستصلاح الأراضي والأنشطة المرتبطة بهما، ليس مجرد اختيار عابر لعنوان براق، بل هو اختيار يحمل دلالات استراتيجية وسياسية وفلسفية عميقة تلمس عصب الدولة المصرية الحديثة. ويمكننا قراءة هذه الدلالات من خلال عدة أبعاد رئيسية تصب جميعها في مصلحة المواطن، للتأكيد على أهمية وعمق هذا المسمى البليغ. وتأتي الدلالة الأولى والأهم لتعلن بشكل صريح من الدولة بأن مستقبل هذا الوطن لا يمكن فصله بأي حال من الأحوال عن أمنه الغذائي؛ ففي عالم يموج بالاضطرابات والحروب والأوبئة، تدرك الإدارة المصرية أن من لا يملك قوته لا يملك قراره، وأن السيادة الوطنية تبدأ من الفأس وتنتهي في صنع القرار. وعندما يُسمى مشروع زراعي واستصلاحي بمستقبل مصر، فهذا يعني أن الدولة وضعت ملف الزراعة في مرتبة قضية أمن قومي قصوى، وأن استرداد رمال الصحراء وزراعتها بالقمح والمحاصيل الاستراتيجية هو الضامن الحقيقي لبقاء الدولة واستقرارها في العقود القادمة من الزمان، لتظل الجبهة الداخلية متماسكة ومصونة بقوة إنتاجها الذاتي النابع من عرق أبنائها المخلصين.
كما يحمل الاسم في شقه الثاني دلالة واضحة على تحول الفكر الإداري والتنموي في مصر نحو التنمية المستدامة؛ فلم يعد الهدف هو مجرد سد فجوة غذائية مؤقتة بحلول سريعة أو عبر التوسع في الاستيراد، بل إن الهدف الأسمى هو بناء بنية تحتية زراعية وصناعية تخدم الأجيال الحالية دون المساس بحقوق الأجيال القادمة، حيث يعمل الجهاز برؤية علمية تقوم على إعادة تدوير المياه واستخدام التكنولوجيا الحيوية والحوكمة المالية بالتعاون مع البنك المركزي، مما يعني أننا أمام مستقبل مخطط له بالورقة والقلم ليدوم ويبقى أثره، ولا يكون مجرد طفرة مؤقتة سريعة تزول بزوال مسبباتها، بل بناء راسخ الجذور يتحدى الزمن ويتعامل مع الموارد الطبيعية المتاحة بأعلى درجات الكفاءة والمسؤولية والوعي الوطني الرفيع. ومن الدلالات الهامة أيضاً لمفهوم الجهاز الشامل، أنه جاء كعلاج حاسم لمعضلة جزر البيروقراطية المعزولة وتداخل الاختصاصات التي عانت منها المشروعات التنموية تاريخياً بين الوزارات المختلفة، فجاء اختيار إنشاء جهاز مستقل ليكون بمثابة الدينامو والمنسق الأعلى الذي يذيب هذه الفوارق، ويمتلك المرونة والقدرة على القيادة والتنفيذ السريع بصيغة الشراء الموحد وإدارة الأصول. وهذا النموذج التنظيمي المتطور يمثل في حد ذاته ثورة إدارية حقيقية تختصر المدى الزمني اللازم للإنتاج، وتلغي تماماً الدورة المستندية الطويلة التي كانت تعطل تدفق الاستثمارات وتكبل حركة التنمية الزراعية في مساحات مصر الشاسعة. وهذا التخصص الشامل الذي يربط الاستصلاح بالزراعة ثم بالتصنيع والتوزيع، يضمن للمواطن وصول السلعة بكفاءة وبسعر عادل؛ لأنه يلغي سلاسل الوسائط الجشعة التي كانت تلتهم عرق الفلاح وجيب المستهلك على حد سواء، وتتسبب في أزمات تموينية واقتصادية مفتعلة.
ويأتي مسمى مستقبل مصر كذلك دلالةً على التحرر من الوادي الضيق وإعادة صياغة جغرافيا البلاد بالخروج من المساحة المحدودة التي عاش عليها المصريون لآلاف السنين حول ضفتي النيل، والذهاب بقوة نحو محاور جديدة كالدلتا الجديدة، وتوشكى، وشرق العوينات. والمستهدف هنا هو خلق مجتمعات عمرانية وصناعية وزراعية جديدة ومتكاملة، تستوعب الزيادة السكانية وتوفر ملايين فرص العمل للشباب في تخصصات حديثة ومتطورة، مما ينعكس بشكل مباشر وإيجابي على جودة حياة المواطن ويخفف الضغط الرهيب عن مدن الوادي والدلتا القديمة. وينعطف مفهوم المستقبل هنا ليشمل الاستثمار المباشر في الإنسان والصحة العامة؛ فكما نادى الكثير من المخلصين والمفكرين، فإن الغذاء ليس مجرد سعرات حرارية لسد الجوع، بل هو بناء أصيل للجسد والعقل. وعندما يأخذ جهاز مستقبل مصر على عاتقه التوسع في زراعة الأقماح البلدية الطازجة وحوكمة منظومة الغذاء، فإن الدلالة المباشرة هي حماية صحة المواطن بإنتاج غذاء آمن وطازج وغير معالج كيميائياً لمسافات طويلة، وهو ما يمثل خط الدفاع الأول عن صحة المصريين، ويوفر على الدولة والمواطن مليارات الجنيهات التي كانت تنفق على فاتورة العلاج.
وتعد قضية زراعة القمح في مصر حجر الزاوية في بناء جسد سليم وعقل مستنير، وهي المعركة التي طالما نادى بها الراحل العظيم الدكتور مصطفى محمود في أحاديثه التلفزيونية ومقالاته حينما كان يؤكد بيقين العالم أن القمح بالحبة الكاملة ليس مجرد طعام، بل هو سر الحياة المكنون في حبة وهبها الله كل أسباب البقاء. إن الارتباط الوثيق بين ما تخرجه الأرض المصرية وبين الصحة العامة للمواطن يتجاوز بكثير مجرد سد جوع الملايين، بل هو ارتباط عضوي يبدأ من لحظة غرس البذرة وصولاً إلى رغيف الخبز الذي يحمل في ثناياه جنين القمح الحي، ذلك الجزء الصغير الذي يمثل القلب النابض للحبة، والذي تتحدد بناء عليه جودة الحياة الصحية للأجيال القادمة. وإن الحقيقة العلمية الصادمة تكمن في ذلك المكون الدقيق الذي يمثل حوالي اثنين ونصف بالمئة إلى ثلاثة بالمئة من وزن حبة القمح وهو جنين القمح؛ هذا الجزء الضئيل حجماً هو في الواقع المختبر البيولوجي الفائق الذي يحتوي على تركيزات هائلة من فيتامين هـ، وفيتامينات مجموعة ب، والأحماض الدهنية الأساسية غير المشبعة، والبروتينات عالية الجودة، فضلاً عن كونه مصدراً رئيسياً للمعادن النادرة والحيوية مثل الزنك والمغنيسيوم.
ولكن هذه الثروة الغذائية الكبرى تمثل في الوقت ذاته تحدياً تقنياً كبيراً في صناعة الدقيق؛ فزيوت الجنين إذا لم يتم التعامل معها بدقة متناهية، أو إذا طالت فترة تخزينها في ظروف غير ملائمة، فإنها تتأكسد بسرعة مسببة تزنخ الدقيق وفساد طعمه وقيمته. ومن هنا تبرز الفجوة الكبرى والخطيرة بين ما نزرعه محلياً ونستهلكه طازجاً، وبين ما نستورده من الأسواق الخارجية عبر البحار والمحيطات. ففي منظومة الاستيراد العالمية المعقدة التي تقطع فيها الحبوب آلاف الأميال وتخزن لسنوات طويلة في صوامع عملاقة وموانئ متعددة، يتم إجهاض القيمة الغذائية الحقيقية للقمح عمداً، حيث يكون الجنين في القمح المستورد في الغالب ميتاً تماماً أو معالجاً حرارياً بطرق كيميائية وقاسية، تهدف بالأساس لتعطيل إنزيماته الحيوية لضمان طول فترة التخزين الطويلة وعدم تزنخه أثناء الرحلة. هذا الأمر يحول هذا الكنز الغذائي الرباني إلى مجرد حمل زائد يفضل المطحن العالمي والمحلي إزالته وفصله تماماً لإنتاج دقيق أبيض ناصع، لكنه ميت بيولوجياً وخالٍ من عناصر الحياة. بينما يتفرد القمح البلدي المصري المزروع في تربتنا الطيبة بكون جنينه حياً نابضاً بكامل طاقته الحيوية وفيتاميناته الفعالة، مما يجعل رغيف الخبز المصري المنتج من القمح المحلي الطازج بمثابة صيدلية طبيعية متكاملة، تمنح الجسم البشري الطاقة والمناعة والقدرة الفائقة على التجدد ومقاومة الأمراض.
لذلك فإن ما نشهده اليوم في الأسواق من حملات ترويجية ودعائية واسعة لما يسمى بخبز الحبة الكاملة أو الخبز الأسمر، قد يقع في كثير من الأحيان تحت طائلة الغش التجاري وتضليل الوعي العام للمستهلكين، خاصة إذا كان القمح المستخدم في صناعة هذا الخبز مستورداً من الخارج؛ فالحبة الكاملة التي تحمل في جوفها جنيناً ميتاً أو منزوع الفائدة، لا تقدم أي قيمة صحية مرجوة منها لجسم الإنسان، بل على العكس تماماً قد تكون قشورها عبئاً ثقيلاً على الجهاز الهضمي دون مردود غذائي حقيقي يذكر. وإن ادعاء القيمة الصحية الفائقة في هذه الحالة هو مجرد متاجرة رخيصة بالشعارات البراقة والأرباح التجارية، بينما يظل الخبز الصحي الحقيقي والوحيد الذي يستحق الاحتفاء والدعم هو ذلك الرغيف الذي يعتمد كلياً على القمح المصري الخالص بجنينه الحي، الذي لم تمسه نيران المعالجات الكيميائية أو الحرارية المفسدة لخصائصه الطبيعية والبيولوجية.
إن التوجه الاستراتيجي للدولة المصرية نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح هو في جوهره استثمار بعيد المدى في الصحة العامة للمواطنين، وتقليل مباشر لفاتورة العلاج والاستيراد الطبي الباهظة التي تتكبدها الدولة. وتشير الإحصاءات والتقارير الاستراتيجية لعام ألفين وستة وعشرين إلى أن مصر تسعى جاهدة وبخطى متسارعة لرفع معدلات الاكتفاء الذاتي لتصل إلى نسب تتجاوز خمسة وستين بالمئة إلى سبعين بالمئة في السنوات القليلة القادمة، وذلك عبر ركيزة المشروعات القومية الزراعية الكبرى مثل الدلتا الجديدة، وشرق العوينات، وتوشكى الخير؛ حيث قفزت المساحة الإجمالية المنزرعة بالقمح لتشغل أكثر من خمسة وأربعين بالمئة من إجمالي المساحة المحصولية الشتوية في مصر، بعد أن كانت لسنوات طويلة لا تتجاوز حاجز الثلاثين إلى خمسة وثلاثين بالمئة كحد أقصى بسبب محدودية المياه وتفتت الحيازات القديمة بالوادي الضيق. إن هذه الزيادة الهائلة والمدروسة في المساحات المنزرعة لا تعني فقط توفيراً لمليارات الدولارات من العملة الصعبة، بل تعني بشكل مباشر توفير قمح بلدي طازج عالي القيمة البروتينية تصل نسبته في بعض الأصناف المصرية المستحدثة إلى أكثر من اثني عشر بالمئة، وهي نسبة قياسية تتفوق بوضوح على الكثير من الأقماح العالمية التي تخضع لعمليات تهجين جينية مستمرة تستهدف زيادة كمية المحصول على حساب الكيف الصحي والمحتوى الغذائي الفعلي والبيولوجي اللازم لبناء وسلامة البنية الجسدية للإنسان المصري، وحمايته من كافة الأمراض المزمنة المعاصرة التي تفتك بإنتاجية المجتمعات وتستنزف مواردها المادية البشرية بشكل مستمر ودون طائل يرتجى؛ فالمكونات الطبيعية الحية للقمح البلدي تمد خلايا الجسم البشري بمضادات أكسدة جبارة تمنع تشكل الشوارد الحرة، مما يقلل إحصائياً وطبياً من نسب الإصابة بالأورام السرطانية والاعتلالات المعوية التي ارتفعت معدلاتها عالمياً بسبب اللجوء المفرط للأغذية المصنعة والمعدلة وراثياً والتخلي التدريجي عن خيرات الأرض البكر الطازجة ونقائها العضوي الفطري الأصيل.
لقد كان المفكر الراحل الدكتور مصطفى محمود يرى ببعد نظره الثاقب وعمق علمه أن التخلي عن ثقافة الحبة الكاملة والاعتماد الكلي على الدقيق الأبيض الفاخر الميت بيولوجياً هو بمثابة دعوة صريحة ومفتوحة للأمراض العصرية المزمنة مثل السكري، والسمنة، وأمراض القلب، والأوعية الدموية. وبناء على هذه الرؤية العلمية، فإن العودة إلى الأرض السمراء وزراعة قمحنا بأنفسنا وبأيدي سواعدنا السمراء هي الخطوة الأولى والأساسية في طريق التحرر الصحي والاقتصادي الشامل. إن السيادة الغذائية الحقيقية لأي أمة تبدأ من الحقل، وتنتقل عبر السنابل، وتنتهي في جسد مواطن قوي يتمتع بالصحة والنشاط والقدرة على الإنتاج البناء. ولا يمكن تحقيق ذلك الهدف الأسمى إلا بتشجيع التوسع الأفقي والرأسي في زراعة القمح البلدي وتطوير آلياته، بالتوازي مع توعية المستهلك المصري بأن قيمة الرغيف الحقيقية ليست في بياضه الناصع المزيف، بل في سَماره الطبيعي الذي يحمل بركة الأرض المصرية وحياة الجنين النابض؛ فالاكتفاء الذاتي هو الدرع الواقي الحصين الذي يحمي مصر من تقلبات الأسواق العالمية العنيفة، ومن سموم الغذاء المعالج الذي سلبته المسافات الطويلة والسنوات العجاف في المخازن أثمن ما يملك، ليبقى الأثر الحقيقي المستدام في خبزنا هو سر بقائنا وصحتنا ورفعتنا بين الأمم.
إن اسم مستقبل مصر هو باختصار تعهد والتزام تاريخي من الدولة أمام شعبها بأن القادم سيصنع بأياد مصرية خالصة وعلى أرض مصرية طيبة، وأن الصحراء التي كانت لقرون طويلة رمزاً للجفاف والخوف أصبحت بفعل هذا الجهاز ورجاله المخلصين هي الملاذ الحصين، والدرع الواقي، والذهب الأخضر الذي يؤمن حياة أبنائنا ويصون كرامة هذا الوطن العظيم المستحق لكل تضحية وفداء؛ ليظل شامخاً أبد الدهر وقوياً بأبنائه المخلصين الشاهدين على الملحمة، والنهضة، والتطوير الشامل الممتد في ربوع بلادنا الحبيبة، تحقيقاً للاستقلال التام والرفاهية المرجوة لكل مواطن على هذه الأرض الغالية، وصناعة مستقبل مشرق تفتخر به الأجيال القادمة جيلاً بعد جيل، في ظل الإنجازات الواقعية الحالية الشاهدة على صدق التوجه وعظمة العمل الوطني المخلص المتواصل ليل نهار في كافة ربوع مصرنا العزيزة الغالية التي تستحق منا كل البذل والعطاء من أجل رفعتها وعلو شأنها دائماً وأبداً.
مصطفى البلك
[email protected]